المستشار أمجد علي الخضر
ليس كل نزاع يحتاج أن يبدأ من بوابة المحكمة. فهناك نزاعات يكون الأصلح لها أن تُعرض على التحكيم؛ لا لأن القضاء أقل شأنًا، بل لأن العدالة الرشيدة لا تعني طريقًا واحدًا للجميع، وإنما تعني اختيار المسار الأنسب لطبيعة النزاع ومصالح أطرافه، ضمن القانون وتحت رقابته. فالقواعد المعتمدة لدى دار الوساطة والتحكيم الفلسطينية تعرّف التحكيم بأنه «وسيلة اتفاقية ملزمة لفض النزاعات بواسطة هيئة التحكيم»، كما تجعل اتفاق التحكيم أساس ولاية الهيئة، وتربط ذلك كله بحدود القانون الواجب التطبيق.
ومن الخطأ تصوير المسألة وكأنها مفاضلة بين التحكيم وهيبة القضاء. هذا تصوير غير دقيق. فالقضاء هو صاحب الولاية العامة والأصلية، والتحكيم استثناء مشروع يقوم على إرادة الأطراف واتفاقهم الصريح. ولهذا فإن الفقه التحكيمي نفسه يقرر أن التحكيم، رغم قيامه على أسس مختلفة عن القضاء، لا يجعله منفلتًا من رقابة القضاء أو بعيدًا عن منظومته القانونية. كما أن قواعد الدار تنص صراحة على أن تطبيق قواعد التحكيم لا يترتب عليه أي إخلال باختصاصات المحاكم المختصة أو الجهات القضائية والتنفيذية، سواء في المساعدة القضائية أو التدابير الوقتية أو الرقابة القضائية أو الطعن أو إكساب الحكم الصيغة التنفيذية أو تنفيذه.
لهذا فالدعوة إلى التحكيم ليست دعوة ضد القضاء، بل دعوة إلى حسن توزيع النزاعات على المسار الأنسب. فالقضاء يبقى ضمانة النظام العام، وحارس الحقوق، ومرجع التنفيذ والرقابة عند الاقتضاء. حتى قانون التحكيم الفلسطيني نفسه يربط العملية التحكيمية بوجود «المحكمة المختصة» أصلًا بنظر النزاع المعروض على هيئة التحكيم، ويحدد امتداد أحكام القانون إلى كل تحكيم يقع بين أشخاص ذوي أهلية، بما يؤكد أن التحكيم لا يعمل خارج الدولة أو ضد مؤسسات العدالة، بل داخل إطارها القانوني.
لكن لماذا يلجأ الناس أصلًا إلى التحكيم؟ لأن بعض النزاعات لا تحتاج فقط إلى قاضٍ يفصل، بل إلى خبير يفهم الصناعة نفسها. وقد بيّن الدكتور فتحي والي أن من مزايا التحكيم أن الطرفين يستطيعان اختيار شخص محل ثقتهما ليكون محكمًا بينهما، ويمكن أن يكون ذا خبرة قانونية أو فنية خاصة بموضوع النزاع، وهي ميزة قد تكون حاسمة في المنازعات التجارية والهندسية والمالية والعقارية ذات الطبيعة الفنية المتخصصة.
ثم إن عامل الزمن ليس تفصيلًا ثانويًا. كثير من الناس لا يخشون النزاع نفسه بقدر ما يخشون طول الطريق إليه. والمصدر نفسه يوضح أن التحكيم قد يحقق توفيرًا في الوقت والنفقات، وأنه يتيح للأطراف الاتفاق على إجراءات ومدد أكثر ملاءمة لطبيعة النزاع من المسار القضائي المعتاد متعدد الدرجات. وفي بعض الدراسات التحكيمية الواردة ضمن مصادر المشروع، جرى التأكيد كذلك على أن السرعة والبساطة والمرونة من أبرز ما يجذب المحتكمين إلى هذا المسار.
ومن مزايا التحكيم أيضًا أنه أقل صخبًا وأكثر قدرة على حفظ العلاقات. فحين يكون النزاع بين شركاء، أو بين تاجر ومورد، أو بين مقاول وصاحب عمل، أو بين مستثمر وجهة متعاقدة، لا تكون المشكلة في الحكم فقط، بل في كلفة الخصومة نفسها على العلاقة المستقبلية. وقد أشار فتحي والي إلى أن التحكيم قد يخفف حدة النزاع ويحافظ على الصلات العملية بين الأطراف، كما أن من خصائصه تجنب علانية القضاء بما يحقق قدرًا أكبر من السرية في التعاملات والملفات التجارية. وتؤكد قواعد الدار هذا المعنى عندما تنص على السرية بوصفها التزامًا على من يشارك في التحكيم بعدم إفشاء بيانات الدعوى ومستنداتها ومداولاتها إلا في الحدود التي يجيزها القانون.
وهنا تظهر الفائدة العملية الحقيقية للتحكيم: ليس مجرد سرعة شكلية، بل عدالة إجرائية أكثر مواءمة لطبيعة النزاع. ففي العقود التي تتطلب خبرة فنية، وفي المنازعات التي تتشابك فيها المسائل المهنية والتجارية، قد يكون التحكيم أكثر قدرة على إنتاج قرار متخصص ومباشر وقابل للتنفيذ، بدل أن يضيع الأطراف في منازعة طويلة تستنزف المال والوقت والسمعة. حتى الأدبيات المتخصصة في التحكيم العقاري ضمن ملفات المشروع تؤكد أن من دوافع اللجوء إلى التحكيم: السرعة، وانخفاض التكاليف نسبيًا، والمرونة، وبساطة الإثبات والإجراءات، وخصوصية الإجراءات.
ومع ذلك، فالدعوة المهنية الصادقة إلى التحكيم يجب أن تكون متزنة لا دعائية فارغة. فالتحكيم ليس صالحًا لكل شيء، ولا ينجح لمجرد كتابة كلمة «تحكيم» في آخر العقد. بل لا بد من اتفاق مكتوب صحيح، واضح النطاق، يحدد إرادة الأطراف على نحو لا يقطع بالشك. وقواعد الدار تؤكد أن اتفاق التحكيم هو أساس الولاية، وأن أثره يتمثل في احترام مسار التحكيم بالنسبة إلى النزاع المشمول به، مع بقاء حق اللجوء إلى المحكمة المختصة فيما يجيزه القانون من مساعدة قضائية أو رقابة أو تدابير وقتية أو تحفظية أو طعن أو تنفيذ. كما تؤكد المصادر أن التحكيم، بوصفه استثناءً على الولاية العامة للقضاء، يفسر تفسيرًا ضيقًا في حدود ما انصرفت إليه إرادة المحتكمين.
لهذا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجمهور ليست: «ابتعدوا عن القضاء»، بل: «اختاروا الطريق الأنسب لنزاعكم». فإذا كان النزاع قابلًا للتحكيم، وكانت العلاقة تعاقدية أو تجارية أو مهنية وتحتاج إلى سرعة وخصوصية وخبرة فنية، فإن التحكيم قد يكون الخيار الأذكى. أما إذا تعلّق الأمر بما لا يجيز القانون إخراجه من ولاية القضاء، أو بمسائل تستدعي ضمانات قضائية أصلية أوسع، فالمحكمة هي الطريق الطبيعي. هذا الفهم هو الذي يحفظ هيبة القضاء، ويحفظ في الوقت نفسه قيمة التحكيم كأداة حضارية لتنظيم الخصومة لا لمخاصمة الدولة.
إن الثقافة القانونية الناضجة لا تقدس الإجراء لذاته، بل تبحث عن العدالة الناجزة المنضبطة. والتحكيم، حين يُستعمل في موضعه الصحيح، ليس التفافًا على القضاء، بل امتدادًا قانونيًا منظمًا لفكرة العدالة نفسها: عدالةٌ يتفق الأطراف على طريقها، ويضبطها القانون، وتسندها المحكمة المختصة عند الحاجة، وتُنفذ باسم الشرعية لا خارجها. لذلك، فإدراج شرط تحكيم مدروس في العقود المهمة ليس ترفًا قانونيًا، بل هو في كثير من الأحيان صورة من صور الوقاية الذكية قبل أن يتحول الخلاف إلى أزمة.